محمد عبد العزيز الخولي

140

الأدب النبوي

يزيدهم اللّه ضلالا إلى ضلالهم ، وفسقا إلى فسقهم ؛ عقابا لهم على مجاهرتهم فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً « 1 » . فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ « 2 » ، فالتوبة منهم غير مأمولة ، والنصيحة لهم غير مقبولة ، فكيف يرجى لهم من اللّه عفو ، ويؤمل عنهم صفح . وسنته ونظامه أن عفوه للتائبين ، وصفحه عن النّبيّين « 3 » ، وأن التأثر بالنصائح لمن لم يمت فيهم الاستعداد بالاستهتار في العصيان . أما من فقدوا الاستعداد فقرع الآيات يزيدهم غيا إلى غيهم وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ « 4 » ، فكيف يكون هؤلاء من المعافين ، وإلى ذلك أن مجاهرتهم بالمعصية دعوة عملية للاقتداء بهم في إجرامهم ، وسلوك سبيلهم ، فيجيبهم ضعفاء الإيمان ، واهنوا « 5 » الإرادة ، فيحملون من وزرهم ، ويكتب لهم من فسقهم « ومن دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » « 6 » ، فإن أمكنهم التخلص من آثامهم بالتوبة النصوح - إن كان لها في نفوسهم موضع - فكيف يتخلصون من أوزار من أضلوهم بغير علم ؟ وقد بين الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن من المجاهرة والإعلان ، أو من الفحش والإهجار ، أو من المجون والاستهتار ، وعدم المبالاة بالدّين ، وبرقابة الخبير العليم ؛ وبشعور المسلمين - أن يقترف المرء جرما بالليل ، ويغشى فاحشة تحت سترة البهيم . حيث النفوس عنه غافلة ، والأبصار إليه ناظرة ؛ وإن كانت عين اللّه راعية ، وأقلام الكتبة الكرام مقيدة . ثم يصبح ؛ ولم يقف على جرمه إلا علام الغيوب ، وستار الذنوب فيهتك الستر ، ويبوح بالسر ، ويعلن عن نفسه بالإجرام ، وعن سيرته بالسوء . ويلطخ عرضه بدنس الآثام ، ورجس الشيطان فيقول للناس إذا ما أصبح وجمعته المجالس

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 10 . ( 2 ) سورة الصف ، الآية : 5 . ( 3 ) النّبيين : ناب إلى اللّه : تاب ولزم طاعته . ( 4 ) سورة التوبة ، الآية : 125 . ( 5 ) واهنوا : ضعيفوا . ( 6 ) ورواه مسلم في كتاب : العلم ، باب : من سن سنة حسنة أو سيئة ( 6745 ) . ورواه الترمذي في كتاب : العلم ، باب : ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة وقال : حسن صحيح ( 2674 ) . رواه ابن ماجة في المقدمة ، باب : من سن سنة حسنة أو سيئة ( 206 ) .